الثلاثاء، 16 يناير 2018

وهم المعرفة

بُنَي:
قالوا قديمًا في المثل "من عرفك صغيرًا؛ احتقرك كبيرًا" قالوه، ثم تركوا البقيّة في حياتك لتقتات عليه، حتى تكبر وتصبح نسخة مكرورة لا تخضع لتنقيح، أو زيادة!
قالوه، فسارت به الركبان، إلى أن أضحى قولاً يحظى بقدسية الوهم، فما إن يسمعه من ثارت ثائرة الشك العلمي في داخله، ولم يعرف لليقين سبيلاً بعد؛ إلا وابتسم خجلأ لشخصية واهمة تمارس عليه فوقيتها، فعاد إلى أحضان ثقافة الوهم مجددًا، ولم ينبس ببنت شفة!
بُني: إنني لم آبه لقولهم فحينما استويتَ نضجًا؛ جئتك من أقصى المدينة ألتمس علمًا، فقل لتلاميذك الذين ستقف أمامهم قريبًا، أن ثمة أمثال تقصم ظهر الموهبة.. تجعلها عاجزة تتوارى خلف ستائر الوهم.. لا تكثر عليهم الأمثلة على ما قُدِّس من الأمثال، حدثهم عن التفكير العلمي، والناقد، وناولهم مفتاح العرض على المعايير ليقدحوا بفضله شرارة الانطلاق بمركبة التقدم، ثم قل لهم إن الإنسان بأصغريه، وبما يبدعه. ولا تنس أن تشكرهم على إضافاتهم التي يضيفونها لك خلال مشوارك الوظيفي، والحياتي، فتصبغها بدورك صبغةً علميةً، وليشاركونك نقدها، ثم قل لهم: أنتم تمنحون الخبرة على طبق من تراكمية المعرفة، لا طبق من الذهب، وانظر لنفسك جيدًا، ثم انظر حولك دارسًا متفحصًا، حينها ستسمع صدى هذه الكلمات وهي تخاطبك:
إنك إن انتظرت موت كل من عرفك صغيرًا كي تتحرر من وهم الاحتقار؛ ستعيش على هامش الحياة، إنهم يكبرون، وتكبر، إنهم يعمّرون، وتموت!
ألم أقل لك أنه لا علاقة لأمراض القلوب بالأعمار، ألم أقصص عليك قصصًا ذات مساء عن حسد الأقران، وأصحاب المجال الواحد؟! وكيف حولوا مكسبًا لخسارة، وانطلاقة ضوء لدهاليز ظلام؟!
لك أن تعلم أن الأخلاق الحسنة يُخالق بها الناس جميعًا بكافة أعمارهم، وألوانهم، وأديانهم، فالعبرة ليست بالنقولات التي تحط من كرامة الإنسان، وتشرع التعدي، فإن الله لا يحب المعتدين.
وعليك أن تدرك إن بعض الكبار قد تكفل تاريخ ميلادهم بمنحهم اللقب، وأن في الضفة الأخرى أحداث سن تجاوز عمرهم العقلي، نظيره الزمني، وبلغت أفعالهم ما لم يبلغه ذو شيبة. وهذا لا يعني أن نحكم على أفرادٍ بالفشل، فالنجاح ارتباطه بمعايير عدة، ومعيار الذات وتصوراتها؛ أنموذجًا.