قد تزج
بك المعرفة إلى درْك الوحدة اللعينة، وتجعلك تقع في براثن غربة من نوع آخر، فتكون
حاضرًا جسدًا.. غائبًا فكرًا وروحًا. وتجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تُبدي قولاً ما، قد
عرضته على معايير الحكم لديك، فرأيته يمثلك حيث الصحة، مُظهرًا خطأ الأكثرية.
عندها يكون
الفرد بين مطرقة سطوة الجماعة، وسندان شخصيته الواعية، فيظهر تردده في البوح
به، والاحتفاظ به لنفسه في موقف يحتم عليه قول الصحيح ورد الخطأ. ولا أقصد هنا
أولئك الذين تتضاءل لديهم نسبة تخطئة رأي الجماعة بسبب التنشئة المجتمعية التي عاشوها،
وما غرسته في أذهانهم؛ بل أولئك الذين يرون صحة آرائهم في مقابل رأي الجماعة، إلا
إنهم لا يفضلون قولها والأخذ بها خوفًا من العزلة، والإقصاء الذي سيفرض عليهم من
قبل الجماعة، فالكثير من الأفراد يخافون الانفصال الاجتماعي، ويرددون ذلك المثل
الشهير: "الموت مع الجماعة رحمة!"
إن
الهجرة ليست محصورة في الانتقال الجسدي عبر الحدود، أو تلك التي تكون من الريف إلى
المدينة؛ بل إن هناك هجرة للعقول ونزيف لها يكمن في العيش الذهني بمنأى عن بيئة
المفكر التي تحيط به، فلا يستثمر طاقاته، ولا ينميها بسبب ما يعانيه من إحباط
لاختلافه عن البيئة المحيطة، ولربما سلك كما يسلكون.
فالتقليد
مريح جدًا وطريقه سهل حيث لا وحشة ولا خوف، ولا تعب، بل إن كل الطرق سالكة قد
اكتشفها الأولون ومهدوها لمن فضل التقليد وترك إعمال العقل (إنا وجدنا آباءنا على
أمة وإنا على آثارهم مهتدون)
إن من
يُعمل عقله في مجتمعات آمنت بأن من يغرد خارج السرب إنما هو بعيد عن جادة الصواب
بحسب زعمهم، وإنه متأثر بفكر دخيل يناهض الفكر الذي آمنوا به واعتنقوه، أو ألْفوا
عليه من سبقهم ممن وثقوا أن كل ما ورثوه صحيح غير قابل حتى لطرحه على طاولة
النقاش. (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا
أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون).
بينما
في الحقيقة أنه ناجٍ من ثقافة العقل الجمعي متطلع للتغير والتغيير فكن ذا حصانة
نفسية عميقة، واصنع من قوة المعرفة دروعًا تتكسر عليها سهام ثقافة العقل الجمعي،
لتصنع منها سلمًا يأخذ بك من درْك الوحدة إلى فردوس العُلى.