الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

ينبع النخل (4)

غدًا بعد صلاةِ العيدِ سأزورُ هذهِ العين، وأشارَ بيده.. سأقول لها: كلَّ عامٍ وأنتِ بخير، وكلَّ عامٍ وأنتِ بجريانَكِ تزرعين الخيرَ في محيطِنا، وفي أنفسنا.. وكلَ عيدٍ نأتي إليكِ؛ لنأخذَ حصتَنا من الأكاليلِ والباقاتِ، ونُهديَكِ بدَوْرِنا الدعوات.. الله يُجْرِيك.

سأجلس إلى جوار شريعتها، وأحدثها حديث الأحباب.. سأخبرها كيف كنا بعد انقطاعها الذي قطّع نياط القلوب، وكيف كانت ليالينا حبلى بأحاديث الشوق والشجن، وكيف كانت قلوبنا تصطلي من الوجْد... آهٍ لو تعلمين!

سأخبرها إنني لم أتأخر عن المجيءِ إليها في أعياد سنيّ الجفاف، حاملاً على كفيّ المرفوعتين إلى السماء؛ حلوى الدعوات.. الله يُجْرِيك!

.كانت الحياةُ مستمرةً كيفما استمرت، فكان العيد يأتي تلو العيد، وكنت أنتظر مجيئك فلا تأتين! وعلى الرغم من هذا الجفاء الطويل؛ فلم يساورني شكٌ في مجيئك يومًا ما!

كنت أرتدي أجمل ثيابي، وأنا أنظر إلى خيفك الشاحب الذي ما إن تهب عليه نسمةٌ؛ إلا وتعتلي سماءه صفرةُ التصحر! فأقول في نفسي:

سيأتي اليوم الذي ينتشي فيه هذا الخيفُ بعبق الزهور، ورائحة الثرى!

فها أنا أعودك اليوم مجملاً بثياب العيد، لأراك متأنقةً في ثياب الاخضرار بدلاً من ستائر تلكم الصُّفرة، فما أن تهب نسائم وادي النعيم؛ إلا وتموجت مع نسائمها.

فيا لجمال الطبيعة الذي تجسد من مبدأك حتى منتهاك، ويا لجمالك الأخاذ في كل ما يحتويه، فيأسر القلوب، ويشنف الآذان، ويسر الناظرين، فهذه الفراشات تحط على أزهارك، وتلك الطيور تتراقص جذلاً في سمائك، فيا لكِ، ويا لورودك التي أمست هدايا العاشقين.

أفلا تستحقين معايدتي؟! وألآ أستحق بدوري أن آخذ حصتي من الأكاليل والباقات لأقدمها لكِ.. نعم لكِ وحدك بالطريقة التي أراها.. بطريقة إعادةِ تدويرِ الورودِ حتى قطفها تارة أخرى، فلله أنتِ ما أكرمك!