الجمعة، 6 أكتوبر 2017

ينبع النخل (2)

وادي النعيم

من بعث ذكرى فهد بلان من مرقدها؟ وما الذي جعل تلك الصورة الشعرية تتراقص أمامي وأنا أقف على مكان فكرتها، حيث:

"ورَد ع العين عين الجابرية

غــــزال زيــن وتلفــت عليــّه"

وما الذي جعلني أسافر للماضي، وأنغمس فيه، حتى سمعت صوت شاعرها، الذي رسم على محياي ابتسامة، عندما قال:

 "بدل ما أرمي؛ رميت البندقية"!  لله در الماء! إنه يستدعي ذكرياتنا، ويصف للاحقين حضارة السابقين، يا له، ويا للمبشرات التي استقبلت مقدَمِه الكريم.. هذا المقدم الذي لا يُفرش له السجاد الأحمر، ولا تُنثر الورود من أجله؛ إنه استقبال عظيم لا تقوى على تجسيده طاقة البشر، فتتكفل به الأنفس، وتخفق له القلوب، إنه يجري حيث لا مستقر له سوى الإرواء.. فيكسو الأرض بساطًا أخضرًا، ثم يُتوجُّه بأكاليل الورود التي خُبأت بذورها تحت أديم الأرض حتى مواسم الفرح!
يا للطبيعة التي تشي بالسر الذي لا يتوقف عن بث الحياة، وبعث مكنونات الأحواض، والبلدان.. السر الذي على وشايته سمقت النخيل، وساقطت رطبًا غسل مخاض عودته!
لله در الماء! كيف أرانا طيوف السابقين، وكيف أسمعنا أصواتهم، وكيف أشعرنا ببعض أحاسيسهم!
قل لي بربك أيها الينبوع كيف أجريت قلمي، وكيف أوجدت الحيرة فيه وهو يمخر عباب ورقة الوصف، والخيال؟ وكيف أوقفت ريشته، وكأنها تصطدم بجبلٍ من جليد التردد!
أتعلم ما الذي يحدث، عندما أكتب متسائلاً:
كيف رافقتنا حواسنا الخمس، عندما ركبنا عجلة الزمن وعدنا إلى الوراء؟!
حسنًا..
يحدث أن يُطبق الخيال فاه، فلا صوت يعلو فوق اللا صوت، وكأنني أسكن فعلاً منطقة الصمت! فأسرح بذهني وقتًا، إلى أن تهب رياح الكتابة المصحوبة بعبق الفواغي، فأعود وأختلس قطرة من بحر حبرها، فأستبدل السؤال بآخر:
كيف جاؤوا إلينا، وعلى أي صهوة امتطوا؟!
 حينها تجيبني هتافات تخرج من نوافذ الطين تردد بصوت واحد:
لله در الماء.. لله در الماء.. لله...
طويت صفحتي على أسئلتي، وأحكمت غطاء محبرتي، وعيناي تنظران لتلك النوافذ مسافرًا سابحًا في عالم السكون، حتى سمعت إيقاع زير يتكئ على بعد ضربة إيقاعية من نار أوقدت لأجله، ورأيت لمعة سيوف تتراقص بكبرياء، ولمست أكف الحاضرين مصافحًا، وشممت رائحة البارود الذي قُدحت شرارته عندما علا صوت البهجة، والفأل في مقرح القرية: "وبعودة يا نخلنا بعد جدت قناته..." فهل ذقت معي؟!
2017/1/19







الاثنين، 6 مارس 2017

ينبع النخل (1)

وادي النعيم

إنما البعثُ للمدر أيضًا، إنه يغتسل الآن بماء عين جرت منذ عصر ما قبل التأريخ حتى تأريخه! إنه يغتسل عن خطيئة الجفاف.. يغتسل فلا يزدد الطينُ إلاّ فُلة!
نعم إنه للمدر الذي أتعاهد زيارته منذ تحنثي القديم.. منذ أن جعدته العجافُ سنةً وراء سنة حتى صار بحجم قبضة الكف.. حتى حُنط هيكلًا، ليُحفظ في ذاكرة بعض ممن يتوكؤون على منسأة البقاء.. الذين يجأرون كل ما دُق زير: "المرعبات الخيل، والمال النخل"!
إنني أرقب تشكله الآن وجبةً بعد وجبة.. إنه يتفتق عن ورقِ جنة ليواري سوأة الجفاف! وهاهو يبسط كف البذل ليتشجر عطاءً وبركةً، ويتوسع للدرجة التي أسمع صدى قول ذلك الثمانيني حينما كان يختم حديثه عن القرية بجملة: كان المدر أكبر!
فأتناول من رف الذاكرة القصي ردة فعلي إزاء قوله آنذاك، وأنا أنظر لبيوت الطين مرددًا: ولكن هذه الدور التي تعتلي الأمدار لم تقترب! ثم أُطرق محدثًا نفسي: يا للكبار إنهم يأتون بالعجائب!
كبرت، وعرفت الآن بعد مخاض العين العسير؛ كيف أنها أنجبت نهرًا صالحًا يدعو للسعة، وينبذ الضيق! وعرفت أن ذلك الشيخ الوقور قد اغترف غرفة بيده من بِكر سلالة الري، ومن نخبه القديم الذي مخر قصبة الأرض؛ فانتشت به روحه، وتوسعت أفقُه فأصبح يرى، ويصف ما لا يستطع عليه من لم يشاهد سوى أعجاز نخل خاوية تمد ظلالَها الشمسُ ذات اليمين، وذات الشمال!
هنا في وادي النعيم يجري الماءُ؛ فتقف على ضفتيه أسوقة الإخضرار، فتهوي إليه أفئدة الطائفين الساعين إلى البهجة.. إنهم يبتهجون حينما يرون فزاعةً للتو صُلبت على صدر مدرٍ كان قبل أشهر يبعث الفزع!
هنا تهبط الطيور المهاجرة، فلا تواصل خط سيرها، فقد أخفت الخيوفُ خارطة طريقها لتجعل الواديَ دار قرارٍ يحتضنها حتى الفناء، لتقبض الطيور أجنحتها فتنصب خيام البقاء! ففي ينبع النخل وحدها تمد الفزاعةُ ذراعيها للطيور: أن هلموا!
وهنا أيضًا لك أن تصغي السمع لخرارة عين عجلان وهي تشنف الآذان، حينها يأنِ لك أن تقول: عندما تعزف الطبيعة لحن الحياة؛ على العنادل أن تغني!
لا أجيد الإطالة أبدًا، كما أنني لم أوتَ فن الاختصار، إلا أنني أستطيع القول: ينبع النخل تبعث الآن، وما مسجد ابن وفاء إلا بيتٌ تجري من تحته الأنهار! فيا للبعث الذي لا  أهوال تسبقه!