الخميس، 21 مارس 2019

جسر الأربعين


تتعرج مشاعرك، وأفكارك أيها الإنسان بتعرجات خطك الزمني، فيوم سعيد كلحظة، ويوم بائس كسنة. ستتغير قناعاتك نحو ما كنت تعتقده أنه من الثوابت، وستثبت ثباتًا نسبيًا تلك التي كنت تظنها لا تقبل الثبات أبدًا! ستسير بك الحياة من ألف بائها إلى أن تبلغ أشدك، ستعيش الفرح فرحًا، وستعيش الحزن ألمًا وقلقًا وخوفًا، ستعيش لحظات لقاء سعيد، وآخر كئيب، ستلاقي، وتفارق، وستهبك الحياة، وسيتخطف الموت أحبابك، وتعيش التجارب تجربة تلو أخرى، ستنظر لما كان يهمك سابقًا بشيء من السخرية، وستلوم نفسك بأنك لم تُلق بالاً لأشياء لم تأبه بها سابقًا، ستقولبك الأربعون، ستعيد ترتيبك من جديد. ليس لأنك صفحة بيضاء فتشكلك كيف تشاء، لا. وإنما تجعلك تتصفح ما كتبه الزمن في مُهرَق ما قبل الأربعين بصحبة ابتسامة ساخرة، وتجعلك تكتب في صفحاتك الجديدة مواقفك بشيء من التروي.
ها أنا أعبرك يا جسر الأربعين بلا حول، ولا قوة مني، ولو كان الأمر بيدي لأوقفت التأريخ وظللت أراوح في سلم الثلاثين من العمر!  وأنا الذي لا يملك لنفسه نفعًا، ولاضرًا..
يا أيها الجسر وإن عاتبتك على مجيئك المبكر، فقد سمعت ممن عبروك أنك أجمل الجسور، وأتمها. أذكر أنني حدثت أحدهم وذكرتك عنده بشيء من الدهشة من سرعة مجيئك! فقال لي ما أورده الطنطاوي في جسر بغداد:
"وقد قال أبو الوليد: قال لي شعبة: أرأيت جسر بغداد؟
 قلت: لا.
قال: فكأنك لم ترَ الدنيا!"
وكأن صديقي يهون عليّ، ويلمح لي أن من لم يعبر جسر الأربعين لم يرَ الدنيا كما ينبغي، ولم يرها من منظار التجارب التي تجعل من الشخص شخصًا آخرًا متميزًا عن الآخرين.
وقبل الختام علينا أن نعلم أننا قد نصل لكل ذلك الجمال قبل عبورنا هذا الجسر، فهناك جسور فرعية نتعلم من خلالها كيف يكون الجمال، وكيف يكون الكمال الإنساني الذي يعتريه النقص.
إنها سلسلة من جسور التجارب المباشرة، وسلسلة أعظم من التجارب غير المباشرة إن أحسنّا التقاطها، والاستفادة منها، فتجوب بنا تفرعات الجسور إلى منتهى الحكمة، ثم تعيدنا إلى ساقية خطنا الزمني وكأنها تراكم المعرفة إلى النضج العميق، وقبل ألفاظ العقود من العمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق