الأحد، 31 مايو 2020

ليلة العيد

أتدرون ماذا قال لي الشجن ليلة العيد حتى أذرف الدمع؟
هل أسرّ لي بشيء عن الرحيل؟
أم أنه وشى بالبهجة المقبلة؟!
يالحزن الشعراء الذي يطوقهم عند الوداع، ويا للحزن الذي يكتنفهم حتى في لحظات الفرح!
يا لهذه المشاعر المبتهجة في هذا المساء، تنتظر الإعلان عن إطلالة هلال العيد، وهي التي كانت قبل أسابيع في انتظار ثلاثين الصوم، ولياليه.. في هذا المساء تتوزع المشاعر بين زائر همّ بالمغادرة، وزائر يقف على عتبة الوصول، ونحن بين مودِّع، ومستقبل يشرع ذراعية للبهجة مُرحبًا!
حسنًا ماذا بقي.. بقي أن أخبركم عمّا قاله لي الشجن ليلة العيد؟
قال:
رمضان.. ذلك الزائر الذي يكرم مستقبليه، وعند رحيله يمنح مودعيه العيد مغلفًا بالبهجة والفرح!











 

السبت، 30 مايو 2020

ينبع النخل (3)

وادي النعيم
نَبَعَ فعل ماضٍ.. يَنْبُعُ فعل مضارع.. أما الأمر؛ فهو بيدِ من قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) السؤال: كيف كانت ماضيًا ردحًا من الزمن، ولم يزل اسمها يحدثك عن استمرارية النبع، وجريانه؟! إن الذي أجابك أيها السائل بـ "كانت"؛ كان على يقين بأنها لم تزل!
لا أتحدث هنا عن ماضيها التليد، ولا عن العراقة أتحدث، ولكنها أحاديث تعجبية انبثقت فكرتها من إجابة سمعتها وهي تحاول إرواء عطش سائل عاش سنيّ الجدب، ولا يعرف سوى إجابات المخضرمين التي تُشبع نهم أسئلته عن وادي النعيم.. كيف كان؟!
سؤال يختص بماضي ينبع الفعل.. الفعل الذي أصبح اسمًا لها منذ أول نبعة نبعت في أرضها، ثم بقي يبعث التفاؤل حتى في مواسم الجفاف، وكأنه يُطَمْئِنُ ساكنيها: الانقطاع لن يستمر، سيعود النبع، ويستمر!
وادي النعيم ينبع النخلوها هو وادي النعيم على الرغم من السنين العجاف، يظل متماسكًا شامخًا: نبعٌ، ونخْل!
زاره وقتٌ اصفرّ فيه الزرعُ حتى أمسى هشيمًا تذروه الرياحُ إلى مكانٍ سحيق.. وقتٌ تموت فيه النخيل واقفة.. تحاول الصمود، إلا أنها كانت تنحني شيئًا فشيئًا.. هكذا هم الأحياء ما إن يلحقهم الظمأ، ما يلبثون إلا ويلحقون بالأرض! فيظل الجذع هامدًا على حاله ليكون شاهدًا على أيام الرواء، وكيف كان النعيم.
أخرى تسقط في شريعة العين، وكأنها تقول ها أنا أموت على منبع الحياة، ومتنفس الماء! سقطت ولم يتطاير سوى الغبار!
ثالثة تميل على أختها، وكأنها تنقل لها عبارات التعازي، ثم تسقطان معًا! هكذا كانت تموت النخيل الأبعد، فالأقرب إلى أن جفّت القطرة التي بجفافها قبض الطير جناحيه، وهوى! كل هذا الذي مر إلا أن الوادي بقي مستمدًا قوته من اسمه الذي لم يكن وليد صدفةٍ: نبعٌ، ونخل!
فجأة تناقل البعض خبر الماء، وخبر الحياة، والناس ما بين مؤمنٍ، ومطمئنِّ قلب، ثم تتابع الخير قطرةً.. فقطرة، واكتساءً.. فاكتساء، وكأنني بتسجيل مرئي تعيده إلى الوراء يدُ ذلك المستشرق الذي وثقه في عصر السِّمان، وقبل أن تأكله تلك العجاف! فها هو الطير ينتفض ويحلق مبشرًا بنبأٍ يقين، وها هو اللون الأخضر يكسو رقعةً توشحت بالأمس وشاح الظمأ، فبسقت النخيل، وسمقت تلك التي كانت بجوار شريعة العين، التي ما إن هزت جذعَها رياحُ الخير، إلاّ وساقطت رطبًا ليس له شبيه، ولا نظير، وكأنني أسمع صوته وهو ينغمس في ماء العين، وأرى الماء وهو يتطاير بعد أن تطاير الغبار في وقت مضى!
فيا سائلاً سل ما بدا لك، ولكن عليك أن تتذكر أن جملة: "نبع ونخل" تنبيك عن الكثير، وتكفيك أيضًا عن سماع الكثير!