الأحد، 26 يوليو 2020

أنا وقبعاتي!


كثيرًا ما أنصح نفسي عن أمور فعلتها بعفوية، محذرًا إياها من التكرار، فأعقد العزم على عدم العودة إليها مرة أخرى، وأعلن التوبة بيني، وبيني! لأكتشف بعد مدة وجيزة أنني قد ارتكبت بعضها، إن لم يكن معظمها! فلا أملك حينها إلا أن أبتسم متذكرًا مراحل تكوين الإنسان، والضعف الذي يعتريه، فألتمس لنفسي العذر إن كان هذا السلوك لم يتجاوزني، وإن كان قد تجاوز للآخر؛ فلا يسعني إلا إبداء الملاطفة إن كانت كافية لتسوية الموقف، وإلا أبديت العذر السمين.
قال لي صديقي وهو يقهقه عندما علم عن أحد هذه الأفعال: انزع عن رأسك هذه القبعة السوداء التي اعتمرتها، فالأمر لا يستحق كل هذه النصائح التي تسديها لنفسك، ولا كل ذلك التحذير، ثم قال ساخرًا: أنت.. أنت تبت عن ماذا.. يا هذا!  
تعالت ضحكاتنا، ونحن نحث الخطى نحو حيّنا الذي نسكنه، فلم يتبقَ عن الساعة السابعة سوى نصف ساعة حيث سريان حظر التجول.
توادعنا عندما وصلنا إلى البناية التي يقطنها صديقي على أمل أن نلتقي في الغد لنمارس رياضة المشي كما هي العادة التي لم تنقطع منذ زمن، متخذين جميع التدابير الوقائية..  محافظين على مسافة المتر التي تزيد ولا تنقص فقد كانت شخصيته حذافيرية إزاء التعليمات الطبية! أكملت المسير إلى منزلي ولا زالت ضحكاته ذات النبرة الجميلة تتردد على مسمعي وهو ينصحني بخلع القبعة السوداء!
هرعت إلى مكتبتي الصغيرة لأبحث في فهارس كتب التفكير عن موضوع القبعات الست، فلا زلت أحتفظ بهذا العنوان، ولا زلت أذكره جيدًا فقد كلفنا بنقده أستاذ مادة التفكير إبان العودة لمقاعد الدراسة، إلا أنني نسيت التفاصيل التي تمتاز بها هذه القبعات، ولم تتبقَ إلا الخطوط العريضة! وجدت العنوان فتجاوزت القبعة البيضاء، والحمراء، والصفراء حتى استوقفتني تلك التي على رأسي كما يقول صديقي! تحسست رأسي فجاءني صوت من النافذة يقول:
ولقد علمت بأن كل مؤخرٍ

يومًا سبيل الأولين سيتبع
ثم أردف بصوت ارتفعت نبرته قليلاً: هذا هو شعار المرحلة بالنسبة لي! عرفت حينها أنه يجيب عن سؤال صديقه! وعرفت من نبرة صوته المرتفعة أنهما افترقا بمسافة تزيد عن المسافة الآمنة، فقد كانت نافذة مكتبتي تطل على مفترق الطرق! جميل هذا الحي معظم ساكنيه محبين لرياضة المشي!
سبقت صديقي في اليوم التالي إلى المضمار الذي نلتقي فيه، وقطعت شوطًا لا بأس به من المشي، وأيقنت في قرارة نفسي أنه لن يشاركني الرياضة هذا المساء، وأنه الآن يواصل التأليف فموعد إقامة معرض الكتاب ليس بالبعيد إن عادت الأمور إلى نصابها، فلصديقي عادة سنوية حيث منصات التوقيع، والتقاطات السيلفي!
شاهدت أباه في أحد مسارات المضمار، فحاولت ممازحًا تقليص المسافة بيننا، فلما لاحظ ذلك؛ ما كان منه إلا أن أسرع في مشيه، وهو يحرك كمامته؛ ليخفي ابتسامته العريضة! ابتسمت وقلت: لا يزال هذا الشيخ يلون مصادفاتنا بريشة الفكاهة.. حاولت اللحاق به مجددًا فخشيت أن أسكب على لوحته التي رسم حبرًا يفقدها جمالها، فتركته وعصاه!
واصلت المسير حتى رأيت المؤذن قاصد المسجد، عندها توجهت بدوري إلى منزلي، على الرغم من أن الساعة السابعة لم تحن، إلا أنها صدرت توجيهات بالاكتفاء برفع الأذان فقط، فضلاً عن الحال التي كنت عليها!
 عكفت تلك الليلة أيضًا على بعض كتب التفكير، وخلصت أنني حينما حذرت نفسي مما حذرتها عنه؛ أنني لم أكن أعتمر قبعة سوداء؛ بل كنت أعتمر نظيرتها الحمراء، فلم يكن تقييمي لها قائم على المنطق والموضوعية، بل إن السواد الذي كنت أراه، كان يقوم على العاطفة السلبية! فحينما أخضعت تلك الأفعال إلى معايير الحكم إخضاعًا علميًا؛ وجدت أنها أفعالاً رائعة تنم عن إيجابية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلا أن نظرتي لها لم تكن منصفة، وكأنني بذلك التحذير؛ أُحرّمُ ما أُحل لي! قاتل الله العجلة!
قبيل منتصف الليل، تسلل إليّ صوتٌ يشنّف الآذان، فتوجهت فورًا إلى النافذة، فإذا بي أرى نافذتين قد فُتحتا وتعالت منهما الأصوات: "في مجلس الأُنْس الهني..." استمعت، واستمتعت.. قلت لأحدهما بعد أن طرأ للآخر طارئ؛ أنت جميل، فجيرتك رزق من الله، لقد اخترتك قبل الدار.. تبادلنا الضحكات. أغلقت نافذتي وعدت لأسمع الأغنية بصوت فنانها الأول صالح عبدالحي. ثم أخذت أتتبع ما تبدعه نوافذ الذين فُرض عليهم الحظر في بعض الدول العربية والأجنبية، من خلال ما أصل إليه من خلال تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي. هي بالمناسبة ظاهرة لطيفة تشحذ الهمم تارة، وتروّح عن النفس تارة أخرى، فالموقف الذي نمر به ليس بالأمر الهيّن، وها هو الإنسان يسلك طرقًا تعبيرية تناسب الظروف الراهنة.
ارتفع الوعي مع الأيام، فيما يخص التدابير الوقائية، فلا أخرج إلاّ في الصباح الباكر، ولحاجة ملحّة، أما الرياضة فأمسيت أمارسها في حديقتي بمشاركة صغاري. 
جادت الصدفة بلقاء صديقي المؤلف، فقدمت إليه شكري على ما أسداه إليّ من نصح في لقاءنا الأخير، ثم قلت له: جعلتني أعيد حساباتي في بعض الأفكار التي كانت توحي إليّ بأنني ارتكبت أفعالاً في غاية السوء! وهي في الحقيقة أفعال لا تقل جمالاً عما قمتَ به تجاهي، غيرت نبرة صوتي، وقلت: لكنك يا صديقي لم تُصب في لون القبعة.. فقد كنت أعتمر قبعةً حمراء حينها، وليس كما وصفتها، قلتها ساخرًا منتظرًا قهقهةً كتلك التي جاءت بعد: "أنت تبت عن ماذا يا هذا"، فما إن أنهيت حديثي إلا واستلم زمام الحديث مبررًا، وأحال موقفي الساخر إلى حديث جاد، وكأنه يقول: لماذا تنتقصني! لم أكن أتوقع ردة فعله بهذا التبرير الموغل في الأنا، وكأنه الرجل الذي يصيب، ولا يخطئ! العجيب في الأمر أنه لم يعد يحرص على أن نلتقي كما كنا في السابق، وأُخبرت بأنه بات يختلق الأسباب لينتقصني.. هو بالمناسبة لا يقحم اسمي في حواره مع الآخرين إقحامًا كي لا يشعر أحد بما يضمره تجاهي! إنه يتحلى بذكاء فائق!
لقد كنت أحسن الظن بمنهجية تفكيره، وكنت أظن أن المعلومة التي سقتها إليه بذلك الأسلوب؛ ستزيد الألفة أُلفة، وأنه سيرى ذلك أمرًا رائعًا، لكنني خُدعت بكثرة مؤلفاته، وإشاراته التي كانت تبني الجمال وصفًا، لكنها لم تتبناه، أو تنتجه!
في هذا التوقيت من العزلة اعتمرت ما اعتمرت من قبعات، ثم قلت بعد أن أشحت بوجهي إلى الجهة الأخرى: أنا لم أرتكب جُرمًا.. سأظل ساخرًا مع أصدقائي الساخرين، أما طيّب الذكر الذي يحب أن يطلق العبارات الساخرة، ولا يحب أن يسمعها؛ فكفاني مؤونة صداقته، وذهب مع أولئك الذين ما إن نبادلهم القفشات؛ إلا ويكشفون عن جمالهم المصطنع.. فيا للون القبعة الذي جعله يتشظى!
تذكرت ذلك الحكم القاسي الذي أصدرته على بعض أفعالي سابقًا، وتذكرت طريقة تصحيحه عندما عرضته على المعايير اللازمة، وانتهاجي للأسلوب العلمي في التأكد من لون القبعة! تناولت ورقة، وقمت بتسويدها بمداد دواة القبعة البيضاء:
 ليس هناك أفضل من البحث، والتقصي، في جانب اكتساب المعلومات، وليس هناك أسوأ من التسليم المطلق لرأي أحدهم. أما أخذ الإجابات الجاهزة، أو الاعتقاد بأن رأيك هو الرأي الصائب، وبقية الآراء خاطئة؛ فهو أخذٌ واعتقادٌ خطِر! فالسير في طريق الموضوعية، والابتعاد عن الاجتهادات الكيفمائية؛ هو الطريق الذي يوفر عليك الكثير من الجهد والوقت، وإن كان مجهدًا، أو أخذ منك الكثير من الوقت؛ فأنت بذلك تقيس الأمور بمعاييرها الصحيحة، ولا يعتبر الجهد، أو الوقت الذي تستغرقه في الأسلوب العلمي شيئًا أمام الاستغراق العشوائي الذي سوف يكلفك الكثير فيما بعد، ويجعلك تلتفت إلى الوراء كثيرًا، وربما العودة إلى نقطة الصفر! فالسير المدروس لا يجعلك تحمل هم تعبيد طريق آخر يحاذيك طالما أن المرونة صاحبتك منذ التخطيط. وضعت النقطة المؤذنة بنهاية كل ما سبق إلا أنني عدت ورفعت عن القلم غطائه، وكتبت: ما أجمل هذه القبعات إنها تنزع الحرج عن المعنيين في حل مشكلة ما، فذلك السوداوي للنخاع سينزع القبعة السوداء عن رأسه عندما نقول: لنضعها جانبًا، وعلينا أن نرتدي تلك الصفراء حيث الجانب المضيء بنور الأمل.
 كما أنها؛ تجعل تفكيرنا مبسطًا وسلسًا إذ أننا نتعامل مع المعلومات على حده، ومثلها المشاعر والأحاسيس، ثم نفرد وقتًا للأفكار الإبداعية...
*** 
سألني صديقي سعيد هل لاحظت معي لون قبعة قائد الأوركسترا ليلة البارحة إنها قبعة بيضاء، هل هو في طور معلومات وحقائق؟ فأجبت إن حركاته، وسكناته إنما تسير على طريقة علميّة، انتظرته يقول لي: أعلم هذا، ولكنك لم تجب على سؤالي. لكنه عاد بتفكيره إلى الوراء فقال: فما له وللقبعة السوداء في الحفلة ما قبل الماضية؟ ثم تمتم: يبدو أن في الأمر مأتم! انتظرته يدلي بمعلومات عن القبعة الزرقاء، ففي الموضوع قيادة واقتداء، إلا إنه لم ينبس ببنت شفة! أقفلت التطبيق مبتسمًا، فقد كنت على يقين أنه لن يكتب حرفًا بعد علامة التعجب التي أوقفها حدادًا بعد كلمة مأتم! إنه يشعر بإحساس رائع عندما يضع علامة تعجب بعد أن يمارس خروجه المعهود عن نص الحوار! أو أن يأتي بكلمة تناسب سياق حديثنا وفي نفس الوقت لا تناسبه، ثم يجأر بالقهقهة. يبدو أن اختياراتي لأصدقائي تقوم على أمر ما!
أرسل إليّ بعد بضعة أيام كعادته مختصرًا: رمضان كريم. فأرسلت إليه مختصر المختصر: (ر. ك) وأدرجت مع الحرفين قصة قصيرة جدًا كنت للتو قد كتبتها لعلها ترخي وعيه عن اختصار الاختصار الذي أرسلته:
كانت تحاول التقاط صورة كتلك التي التقطَتها قبل عشرين عامًا.. وقفَت أمام نفس الطاولة، بعد أن وضعت عليها باقة ورد جُففت منذ زمن بعيد! كانت تراه جالسًا يقلب أوراق جورية حمراء، ويبتسم.. حبَست اللحظة بضغطة زر، ثم انشغلت بما تذرفه عيناها، فقد كان ظهر الكرسي سيد الموقف، وكانت هي سيدة الذكريات!
لم يمض وقتًا طويلاً حتى صادفتُ سعيدًا، فقال حين رآني، وقبل أن نتبادل تحية النظر: يا للقبعة الحمراء التي لا تفارقك، هل تمنحنيها بعض الوقت؟! إنني كلما أعددت العدة للكتابة؛ بحثت عنها فلا أجدها بين القبعات! إن جزءًا كبيرًا من النتاج الأدبي لا يكون إلا نتيجة لعب الأدوار التي يمارسها الكاتب، فيبادل بين القبعات الست، أو يدمج بينها، فلولا القبعة البيضاء؛ لما وُجدت الروايات ذات الأهداف العميقة التي تستند على الحقيقة والموضوعية، فتأطرها نظيرتها الحمراء بإطار المشاعر والأحاسيس لتكون للقارئ في أبهى حلة! لا أقصد هنا بالطبع تلك الروايات التي تكون مسوغًا لعبارات، وأمنيات ترفضها المعايير الاجتماعية، أو القصص التي تكون نتاج الخبرات، أو الخيالات العاطفية.
إنك من خلال رواية واحدة قد تغير اتجاهات قارئ، فقد تهدم معتقدًا، وتبني آخرًا.. إنها ملأى بعبارات الشك، والتعزيز.. يا إلهي ما الذي أتى بنا إلى هذه المنطقة من الحديث؟! لم تجب، هل تعيرني إياها؟!
قلت له طالما أنك أتيت بنا إلى هذه المنطقة من المعرفة فلستَ بحاجة أن تستعير قبعتي المهترئة! أنت كاتب عظيم حتى وإن اعتمرت قبعة التخفي! قال ألم أقل لك أنك عاطفي؟ أشرتُ إلى ثوبي الصيفي ففهم المراد! ابتسم، وكأن ابتسامته الشكر الجزيل، ومضى كل منا في طريقه.
تذكرت موضوعًا ما، كان محور حديثنا في شهر رمضان الفائت، وفي هذه الأيام يكون قد حال عليه الحول تمامًا.. هممتُ أن أوقف سعيدًا، ولكنها عقارب الساعة شارفت على الرابعة والنصف، مقتربةً من ساعة سريان قانون حظر التجول بتوقيته الجديد.
عدت إلى منزلي، وبدأت في تصفح موقع وزارة الصحة أتطلع لبشارة عن خفض أعداد حالات الإصابة بالفايروس لهذا اليوم لعلها أن تكون أقل من الأيام السابقة، لكنني أُصبت بخيبة أمل كبيرة، لقد كان العدد يفوق ما أُعلن عنه بالأمس! ولم يخفف عني سوى متحدث وزارة الصحة الذي أعلن عن تشافي عددًا كبيرًا من المصابين.
الغريب في الأمر أن بعض الأصوات لا زالت تتهكم بمحاولات العلماء في إيجاد لقاح لفايروس كورونا، وقاموا بتوظيف هذه الجائحة توظيفًا ينم عن جهل مركب، ويريدون أن يتخذ أهل الاختصاص موقف المتفرج! وكأنهم في حرب مع العلم وأهله على الرغم من الخدمات التي يستفيدون منها حتى هذه اللحظة!
تناولت قلمي وكتبت مقالاً نشرته في مدونتي كان عنوانه صغيرٌ لا يُرى:
هذه الجملة التي اخترتها عنوانًا لهذا المقال؛ قرأتها منذ بداية انتشار فايروس كورونا مرات عديدة منها ما جاء واصفًا، ومنها ما جاء محذرًا، وهذا أمر طبيعي إذ أننا لم نزل في محاولات جادة لصده، ولكن الغريب في الأمر أن تأتي الجملة السابقة في سياق آخر لا يمكن أن نطلق عليه سياقًا علميًا سواءً في المجال الطبي الوقائي، أو العلاجي، أو المجال التربوي؛ إنما تأتي في سياق التهكم بالعلم، والتقليل من شأنه، ونسف المنجزات العلمية التي حققها الإنسان! وأنه مهما بلغ من علم إلا أنه يظل في دائرة الجهل. وكونه يقبع في هذه الدائرة؛ فهذا الأمر من المسلمات ولا شك، إلا أن طريقة عرضها توحي بالخنوع، وعدم الأخذ بالأسباب.
إنه لولا معرفة الإنسان بحاجاته لما سعى لإشباعها، ولولا معرفته بمشكلاته لما عكف على وضع الفرضيات واختبارها بغية الوصول إلى حل ينهي، أو يحد من تلك المشكلات على الأقل، ولولا معرفته بجهله لما سعى لمحو هذا الجهل عبر كل موقف تربوي يمر به سواءً كان مقصودًا، أو غير مقصود، ولما استمرت المعامل في إجراء أبحاثها، وتجاربها، فالحقائق وأبعادها لا تتأتى له بشكل كامل؛ إنما تُبنى على تراكمية المعرفة على مر الأزمنة، وكل اكتشاف إنما هو ممهد للذي يليه، وكلما اتسعت أفق المعرفة لدية؛ حصر نفسه في دوائر ضيقة محاولاً التعمق في جزء يسير منها، وفي هذا تتجلى محدودية قدرته: 
﴿....وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا النساء 28
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ المائدة 31
﴿... وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء 85
إن هذا الفكر الذي يقلل من جهود الإنسان؛ إنما هو فكر سقيم، لن يصح ما لم يهدم البناء الفكري الخاطئ الذي قام على مساحات العقل! فهدْم الماديات أمر يسير، كهدم بناء من عدة طوابق استغرق بناؤه عدة سنوات، أما المجردات كالقيَم، والأفكار الخاطئة، فتقويضها ليس بالشيء الهيّن، ففي الأمر إلغاء، وإحلال، ومن يستصعب التصحيح؛ سيظل في ضلاله، وعينه على اكتشافات أهل الاختصاص لعله يتفيأ ظِلال العلم عن هجير الجهل.
﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا  طه 114
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ النمل 15
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ... النمل 40
 ليت هذه العقول المنهزمة تمهلت قبل أن تستميت في إيصال أفكارها، وبحثت في أوراقها القديمة التي تحتفظ بها خزاناتهم لعلها تغير شيئًا من أفكارها إذا ما وجدت "دفتر التطعيمات" الذي مضى عليه عمر طويل وهو يشهد بأن التحصينات التي أُعطيت؛ كانت عنصرًا وقائيًا من أجل أن تستمر مسيرة التنمية، لا من أجل التقليل من شأن الجهود.
ولو تتبع هذا العقل المنهزم الإضافات التي طرأت على بطاقة التطعيمات؛ وقارن بين تلك التي كانت في زمانه، وهذه التي مُنحت لطفله؛ لعرف أن لكل وقت أسبابه، وتحصيناته، وما شلل الأطفال، وفايروس الروتا عنا ببعيد.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا الإنسان 30
هاتفني صديقي بعد قراءته للمقال، وتحدثنا حوله طويلاً، وعن هذه الأزمة التي يمر بها العالم، ثم قال لي: لقد اعتمرت في مقالك.. توقفَ ثم قال متعجبًا: اعتمرت!.. إنك لم تترك قبعة إلا وارتديتها! إتيانك بالحقائق، والحديث عنها بموضوعية، وانتقادك لمعتمري قبعة إطلاق الأحكام السلبية من منظور لا يمت للمنطق بصِلَة، وتفاؤلك بأن الأيام حبلى بالمفاجآت المشرقة، لاسيما أنها تقوم على الإبداع في التفكير.
بادرته وقلت له: زدني، وأخرج ما في جعبتك، أذكرك محبًا لهذه القبعات لعلي أنال فائدة مما تختزله ذاكرتك الحديدية، فصديقك بالكاد يتذكر اسم المادة التي جددت زمالتنا بعد كل تلك السنوات! قال متهكمًا: وكأنك تقول لي أنك تكتب دون أن تعتمر شيئًا من القبعات التي كُلفت بشرحها لنا إبان دراستنا!
ضحكت وقلت تذهب المصطلحات، والمسميات وتُنسى المحفوظات ويبقى أثرها، فهل تريد مني أن أحضر ست قبعات فأخلع هذه، وأعتمر تلك كما شرحتها في قاعة الدرس؟! قال يبدو أنك تتخيلهن في حضرتك؟ قلت: وما ذا عن الأثر الذي قلته لك قبل قليل.. يا سعيد هي فرصة أن نسترجع ما تعلمناه في دروس التفكير، وأن أتدرب عليها أثناء الكتابة، فقل ما لديك يا صديقي لنسعد بالمراجعة والاستذكار، قال فليكن حوارنا كتابة عبر التطبيق، قلت له: لك ذلك إلا أنه لم يرسل شيئًا بهذا الشأن، وأنا لم أعقّب!
أرسل لي بعد مدة ليست بالقصيرة من وجهة نظري على الأقل؛ سؤالاً حول القبعة السوداء، ونظيرتها الحمراء قائلاً:
أترى يا صديقي أن أصحاب العقول المنهزمة كما وصفتها في مقالك كانوا يرتدون القبعة الحمراء؟ إنني في شك بينها ونظيرتها السوداء، فأفكارهم في التقليل من جهود الإنسان حيث العلم والعلماء لا تتسم بالموضوعية والحيادية، وكل أحاديثهم تدور حول: "هذا شعوري إزاء الجهود!" ثم أسهب في الكتابة عن القبعة السوداء، وختم حديثه بأن السلبية التي تأتي بها هذه القبعة؛ إنما تأتي بها عبر التفكير المنطقي، وليس العاطفي كما يظن البعض، وإنني أكاد أجزم الآن أن أفكارهم تلك جاءت بها القبعة الحمراء.
لم أرسل له تعقيبًا علميًا على حديثه، بيدَ إنني أرسلت:
ليت ذلك الصديق يقرأ ما كتبته؛ ليعرف البَون بين القبعتين، ويخفف من حدة الأنا فإنها في العديد من المواقف لا تأتي بخير.









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق