لا ينحصر مفهوم المختلف في كونه ذلك
الفرد الذي يسلك طريقًا مغايرًا في المسائل الكبرى فحسب؛ بل إن الأمر يتعدى إلى من
يشاركك.. نعم يشاركك مبادئك، وقيمك، ومعتقداتك! فالكل شبيه لك في أصل خلقتك،
وبشريتك، ومختلف عنك بكينونته، وفردانيته حتى وإن قال لك: إني وجدت بيني وبينك
الكثير من نقاط الاتفاق!
إن علينا تقبل الآخر كما هو، وأن نحرص
على أشباهنا في منحهم حريتهم كاملةً دون اجتزاء، فكوننا نشترك في قضايانا الكبرى،
أو ما دونها؛ فهذا لا يعني غياب حالات الاختلاف! بلى نحن مختلفون، ولكل منا شخصيته،
وتكوينه الخاص في تناوله لأي أمر كان، فلا نُثرّب على من سلك طريقًا يلتمس به
ذاته، فعلينا منحه حقه في الاختلاف، ففي صيانة الحقوق؛ حفظٌ لكرامة الآخر، وضمان
لتكامل مشاريعنا الإنسانية.
إنني من خلال هذا المقال؛ أتحدث عن
الفروق الفردية بين الناس، وعما يعتقده البعض في أن وجود عناصر التشابه؛ تعني
التطابق التام. صحيح أن هنالك مشتركات إنسانية تجمعنا، ولكننا نختلف حتى في
تحديدها، أو وضعها في عناصر مستقلة، فلا تظن أن الآخر مطابق لك في قناعاتك،
وأفكارك. حتى وإن قال إزاء رأي ما: "أتفق". فإنّ اتفاقه هذا قد جاء
نتيجة مورد مختلف قد نهل منه، حيث المصادر، والخبرات المختلفة. وهنا تبرز أهمية
الجانب البيئي في صناعة الاختلاف، وتطوره، فضلاً عن وجود الاستعداد الذي يميز كل
فرد عن الآخر.
ومن عَلِم أن موقف الفرد نفسه قد يتناقض
إزاء فكرة ما، بعد مرور الزمن، وتغير الاهتمامات، أو بسبب المواقف التربوية
المباشرة، أو نظيرتها غير المباشرة؛ فحتمًا سيحفظ للآخر حق تفرده.
إن الإيمان بالاختلاف؛ يقودنا إلى الرضا
الداخلي، وإلى التعامل الحسن مع الآخر حيث البعد عن مسار الكراهية التي تحد من
جودة الحياة، وتجعلنا نتردى في بئر أمراض القلوب، فقد نجد أحدهم يحمل مشاعر الكُره
لمن شاركه مجال ما، فإما أن تسير على نهجي، أو لا أقبل تميزك! وربما أعمد إلى
إقصائك، أو أن أشي بك! ويعود هذا الأمر إلى عدم تقبل الذات، فكلما ازداد الفرد
تقبلاً لذاته؛ زاد تقبله للآخرين.
إنه ليس لك الحق في إقصاء الآخر بسبب
تميزه، وتفوقه، من أجل الانفراد بعرض من أعراض الدنيا، بل الحق لك في محاكاته
محاكاة مدروسة. حيث يستفيد من خلالها اللاحق من السابق، شريطة عدم الذوبان في
الشخصية المُحاكاة، وإلا لافتقد الفرد منا ما يميزه، ولظل نسخة مكرورة.
كما إن من أسس بناء النجاحات؛ تقبل
الذات بكل ما تحتويه من تفرد، واختلافات، ومحاسن، وعيوب، وأن الكمال لله وحده،
وإدراك أن الذات نسيج متفرد. فلنقبل ذواتنا كما هي، وعلينا أن نتقبل الآخر
باختلافه، وتفرده، ولنشق لأنفسنا طريقًا نصل من خلاله إلى أهدافنا، ولنتخذه مسلكًا
يأخذ بنا إلى البيئة الصحية التي تعزز تقبل الذات، وتقبل الآخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق