السبت، 25 أبريل 2020

محاولة حب


إنْ كان نهجك في التقدم، وبناء المجد منافسة الآخرين منافسة مرَضية؛ فهناك من ينتهج: "فأحب لأخيك ما تحب لنفسك".
 إنّ البناء الذي لم يشيد وفق استيفاء الأذونات الأخلاقية؛ إنما هو بنيان على شفا جرف هار.. على تربة ليست صالحة، فهل أحدثك عن الهلع حينها؟!
الحياة بعرضها، وطولها؛ قصيرةٌ.. قصيرةٌ للدرجة التي لا تسمح لك بالتفاتة تضييق على أحدهم! أو أن تكون حياتك قائمة على ردة فعلك إزاء مواقف الآخرين.. الحياةُ تشاركيةٌ.. تعاونيةٌ، وعليك أن تكون عضوًا في فريق سباق التتابع حتى تبلغ النهاية، وتتوج بذهب التكاتف، والتعاون، فتحفك وأصدقاء النجاح حينها؛ أجنحة الاحتواء التي ترسم لكم طريق نجاحٍ آخر، وستعرف أن الإنجاز يأتي بنظيره، فالقمة كبيرة تسعك، وتسع أمثالك، ومن هم دونك، ومن فاقوك موهبة، فلا يكن هدفك تحطيم الرقم القياسي لغيرك؛ ارفع سقف طموحاتك، ثم كل الأشياء تأتي تباعًا، فقمّة المجد ليست مادةً كرأس جبل إيفرست.. القمةُ مجرّدةٌ.. تطوف عليائها عبر أشواط سعيك، وإن كنت إلى جوار البحر الأشد ملوحة في العالم!
إن أحببت التقدم في مجال ما؛ عليك أن تحب للآخر تقدمه، ونجاحاته، وترقياته، حتى في تحوله من مرؤوس تحت إمرتك إلى رئيس عليك!
اخرج من رأسك بعض الأفكار التي تجعلك تفضل ذاتك تفضيلاً محضًا، وانتهج الهدي النبوي حيث كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، وأتِ الله بقلب سليم، وأحب لأخيك.
دع عنك حسد الأقران، وحسد أصحاب المجال الواحد، والحسد برمّته، والتكبر الذي يفتك بنفسك التي لا تعلم ما كنهها! فدع عنك الآخر إلا إن كنت آخذًا بيدٍ نحو مبتغى.
حتى مبادراتك الوظيفية التي ستضاف إلى سيرتك الذاتية حال نجاحها؛ قدمها من أجل خدمة المستفيد.. المنشأة.. الوطن.. العالم بأسره، وليس من أجل كونها المسوغ الذي يأخذ بيدك نحو المجد. فإذا ما صلحت النيات؛ فرحت القلوب بالمآلات.
أسمعت يومًا أن فلانًا طلب التقاعد المبكر بعد أن ترأس عليه من كان مرؤوسًا من قِبَله؟! لا نُعَمم، ولكنك ابحث في الفكرة التي ساقت بعضهم لهذا؛ ستجدها تتمحور حول الفهم الخاطئ لكلمة موظف.. لتقدير الذات المتدني، وأن دوران الكرسي يعني دوران الدنيا وزوالها عنه!
إننا لن نصل للتوازن إلا بعد أن نشتغل على أنفسنا جيدًا في جميع جوانب الشخصية، وأن نتعاهد أنفسنا بالتربية الذاتية حتى نفرغ قلوبنا من الأمراض الاجتماعية التي ما إن بقيت؛ جعلتننا ننكمش عند أول محاولة حب!

الخميس، 23 أبريل 2020

الإشاعات والتفكير الناقد


منذ أن اجتاح العالم فايروس كورونا، والحديث عن الإشاعات، لا ينفك. سواء على مستوى الإعلام المرئي، أو المسموع، أو المقروء. قبل أيام؛ استمعت إلى حديث إذاعي يدور حول خطورة الإشاعات على الفرد، والمجتمع. وكنت قد قرأت قبلها سلسلةَ تغريدات تدور في نفس الفلك، مما دعاني إلى التفكير في طريقة التحذير من الإشاعات، وكيف يتسنى لنا أن نبذر بذور العلم، ونتعاهد سقايتها؛ كي يتفيأ الناس ظلال شجرته، وتدنو إليهم ثماره.
انتهى بي الأمر إلى هذا السؤال: ما الذي يُدري المتلقي أن هذه المعلومة التي وصلته أنها عارية من الصحة حتى يتجنبها؟ وهل بحث عن المصدر الرسمي للمعلومة؟ أم أنه يصدق كل خبر يصل إليه؟ لعله لا يعلم أن هناك وكالة تسمى وكالة يقولون! وما دوره إلا أن يتلقف ما تلفظه أفواه مراسليها.. بئس الوكالة هي، وبئس من يعمل لصالحها!
لقد أحسنت وزارة الصحة في عقد مؤتمر يومي عن فايروس كورونا مبينةً من خلاله أرقام انتشاره بحسب المدن، وطرق الوقاية منه، وذلك تفعيلاً منها لدورها التثقيفي الوقائي، ولقطع الطريق على المغرضين الذين ينشرون الإشاعات المضللة لتحقيق أهدافهم الخاصة.
إن التفكير العلمي –خطوات علمية منتظمة- لا سيما التفكير الناقد لحري به أن يُخصص له يوم، أو أسبوع في السنة للتعريف به، وبيان أهميته، وإنه أسلوب حياة؛ ليتسنى لنا من خلاله أن نكون في حصن حصين إزاء ما يُبَث من سموم فكرية، ويدفعنا لمواجهتها، سواء في تكذيبها، أو توضيح غموض اكتنفها، أو الرد عليها بالطريقة المناسبة. فليس كل أفراد المجتمع يتمتعون بقدر كاف من سبل المقاومة الفكرية، أو على دراية بأنماط التفكير.
عندما يصحب التحذير من الإشاعات طرق علمية تبين لنا سبل استقاء المعلومات، وتوجيهات تحث على ألاّ نركن للمعلومات مجهولة المصدر، والتعريف بالأساليب العلمية لمواجهتها لا سيما التفكير الناقد، وكيفية تطبيقه، وأنه ذلك الذي يخضع المعلومات إلى اختبارات منطقية، ويجعلنا نتمهل في إصدار الأحكام؛ ستكون التحذيرات أثبت مما لو كانت من أجل التحذير الوقتي إزاء مشكلة محددة.
إنه حينما يُنشر الوعي؛ إنما يُنشر من أجل استمراريته، وتطويره لمواجهة كل ما من شأنه العمل على إرخائه، وتشتيته، لزرع القلق المرَضي في النفوس، والتأثير على الروح المعنوية، فالمناسبات لا تنتهي، والأيام حبلى بالمفاجئات.

الجمعة، 3 أبريل 2020

صغير لا يرى!

هذه الجملة التي اخترتها عنوانًا لهذا المقال؛ قرأتها منذ بداية انتشار فايروس كورونا مرات عديدة منها ما جاء واصفًا، ومنها ما جاء محذرًا، وهذا أمر طبيعي إذ أننا لم نزل في محاولات جادة لصده، ولكن الغريب في الأمر أن تأتي الجملة السابقة في سياق آخر لا يمكن أن نطلق عليه سياقًا علميًا سواءً في المجال الطبي الوقائي، أو العلاجي، أو المجال التربوي؛ إنما تأتي في سياق التهكم بالعلم، والتقليل من شأنه، ونسف المنجزات العلمية التي حققها الإنسان! وأنه مهما بلغ من علم إلا أنه يظل في دائرة الجهل. وكونه يقبع في هذه الدائرة؛ فهذا الأمر من المسلمات ولا شك، إلا أن طريقة عرضها توحي بالخنوع، وعدم الأخذ بالأسباب.

إنه لولا معرفة الإنسان بحاجاته لما سعى لإشباعها، ولولا معرفته بمشكلاته لما عكف على وضع الفرضيات واختبارها بغية الوصول إلى حل ينهي، أو يحد من تلك المشكلات على الأقل، ولولا معرفته بجهله لما سعى لمحو هذا الجهل عبر كل موقف تربوي يمر به سواءً كان مقصودًا، أو غير مقصود، ولما استمرت المعامل في إجراء أبحاثها، وتجاربها، فالحقائق وأبعادها لا تتأتى له بشكل كامل؛ إنما تُبنى على تراكمية المعرفة على مر الأزمنة، وكل اكتشاف إنما هو ممهد للذي يليه، وكلما اتسعت أفق المعرفة لدية؛ حصر نفسه في دوائر ضيقة محاولاً التعمق في جزء يسير منها، وفي هذا تتجلى محدودية قدرته: 
﴿....وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء 28
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ المائدة 31
﴿... وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء 85
إن هذا الفكر الذي يقلل من جهود الإنسان؛ إنما هو فكر سقيم، لن يصح ما لم يهدم البناء الفكري الخاطئ الذي قام على مساحات العقل! فهدْم الماديات أمر يسير، كهدم بناء من عدة طوابق استغرق بناؤه عدة سنوات، أما المجردات كالقيَم، والأفكار الخاطئة، فتقويضها ليس بالشيء الهيّن، ففي الأمر إلغاء، وإحلال، ومن يستصعب التصحيح؛ سيظل في ضلاله، وعينه على اكتشافات أهل الاختصاص لعله يتفيأ ظِلال العلم عن هجير الجهل.
﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ طه 114
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النمل 15
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ...﴾ النمل 40
 ليت هذه العقول المنهزمة تمهلت قبل أن تستميت في إيصال أفكارها، وبحثت في أوراقها القديمة التي تحتفظ بها خزاناتهم لعلها تغير شيئًا من أفكارها إذا ما وجدت "دفتر التطعيمات" الذي مضى عليه عمر طويل وهو يشهد بأن التحصينات التي أُعطيت؛ كانت عنصرًا وقائيًا من أجل أن تستمر مسيرة التنمية، لا من أجل التقليل من شأن الجهود.
ولو تتبع هذا العقل المنهزم الإضافات التي طرأت على بطاقة التطعيمات؛ وقارن بين تلك التي كانت في زمانه، وهذه التي مُنحت لطفله؛ لعرف أن لكل وقت أسبابه، وتحصيناته، وما شلل الأطفال، وفايروس الروتا عنا ببعيد.


﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ الإنسان 30