الثلاثاء، 30 يونيو 2020

حنين

 

 يتساءل البعض منا لماذا نحِنُّ إلى الماضي بالرغم من الصعاب التي عايشناها فيه؟

الحقيقة أنه ليس في الأمر جديد، أو اكتشاف مهم، حين نقول إن الحنين؛ يكون للحظات السعيدة التي عايشناها فيه، وليس للمواقف السيئة التي تكفل خط الزمن بعلاجها. فالإنسان كلما تقدم به العمر؛ قل تذكره للمواقف السلبية، وقل تأثيرها عليه، وبات يستحضر المواقف التي أدخلت السعادة إلى قلبه والتي بدورها تجمل ما مضى من حياته، فأصبح يسقط الجمال على ماضيه كافة.

فالحنين حينها يكون انتقائيًا، وليس شاملاً للماضي برمته. فلا يكون الاشتياق إلا لحين مسرّة بالطبع، فلا تستدعى الذكريات من خزانتها إلا لأمر محبب، فالنفس تتوق لتلك الذكريات الجميلة التي لا تستطيع معايشتها مرة أخرى، حتى ولو كُررت فلن تكون كتلك المعايشة البكر، لا سيما أن هناك شعور ينتاب البعض؛ أن الأيام تسير نحو الأسوأ!

إن شعور الفرد الآني مسوغ كبير لاستدعاء الأحداث السعيدة من الذاكرة، والحنين إليها، فحينما يكون الفرد منا في ضائقة ما؛ فإنه يفتح خزائن ذكرياته ليستخرج منها ما ينسيه الشعور اللحظي بالألم، فحاضرنا بين ذكريات قد مضت، وخيال قد لا يكون.

كما أن هناك مسوغ لا يمكن إغفاله أبدًا وهو مقاومة التغيير حتى لو كان هذا التغيير يسير بالفرد نحو الأفضل، فالترقية التي حتمت على صاحبها ترك مدينته إلى مدينة أخرى لا شك أنها تغير كبير؛ عندئذ يكون الحنين فترة من الزمن لمنزله الذي عاش فيه أسعد اللحظات، ولبيئة العمل... إلخ، ولكن عندما يحصل التوافق النفسي الاجتماعي؛ فإن الفرد يسخر من مشاعره السابقة، ويقلل منها، ويقول لا أدري كيف كنت أفكر بالعدول عن الترقية التي لطالما انتظرتها! فعلاقتي بزملاء العمل السابقين لا تزال قائمة وعلى أفضل حال، وها أنا في طور تكوين علاقات اجتماعية جديدة.

 وذلك لأن الإنسان جُبل على إيجاد مكانة اجتماعية له، فيأتي في ذهنه أنه خسر سعيه السابق، وأنه سيعمل جاهدًا على خلق مكانة اجتماعية أخرى، وسيكلفه ذلك المزيد من الجهد، والوقت.

وما لا يغفل أيضًا أن تركيبة الإنسان جبلت على التملك، فالماضي مفقود فلا يصل إليه، والمستقبل لا يزال يُبنى على أعمدة الأحلام التي يتكئ عليها كل حالم، ويخشى في نفس الوقت أن تكون أيامه المقبلة حبلى بالمفاجآت غير المرحب بها.

السبت، 27 يونيو 2020

مزبلة التاريخ!

ينشئ البعض مكانًا وهميًا يقذف فيه الأفكار التي لا يتفق معها، فيقول: إلى مزبلة التاريخ! ثم إذا سُئل عن تلك الأفكار بعد مدة عاد ليستخرجها من المكان الذي قذفها فيه! وليت البعض حينما يقول تلك الجملة، يقصد بها الأفكار، لا بل يقصد صاحبها! حتى إذا ما سمعه إمعة؛ تخيل المكان كحال كقائله، وتخيل الآخر قابعًا فيه!

سينسى هذا العدائي مزبلته وما زج فيها بعد أن يقطع مفازات الحياة نحو النضج، وقد يكتشف ذلك الإمعة أنه كان تابعًا، وهو اكتشاف جيد بالمناسبة، فكما قيل: أن تصل متأخرًا خيرٌ من ألا تصل، فالأمور لا تقاس بالأهواء، ولا بعقد المقارنات غير المنطقية، فما يُرى أنه فشل ذريع؛ يراه الآخر أنه نجاح فائق، وقد يصف أحدهم طرق الآخرين بأنها ملتوية، وهو لا يعلم أنه يسير في الطريق المنحدرة!

ليس كل تباين مع الآخر يدل على أنه من الضروري إيجاد مكان وهمي نسميه مزبلة الفكر! نجمع فيه الأفكار التي أدت إلى الاختلاف، ونقول عنها أنها أفكار ساقطة لا تستحق البقاء مع غيرها من الأفكار، ثم نقوم بحرقها، أو طمرها، والمضحك في الأمر أن ذلك المصطلح قد يستخدمه الطرفان، وكل منهما يقول أنا مُحق!

الفكرة لا تُدحض إلا بالفكرة، وبكلمات وجُمل منتقاة من أطايب الكلام فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وليست كل جملة سارت بها الركبان؛ صحيحة بالضرورة، أو نأتي بها لنعضد من خلالها أقوالنا وآرائنا. فليس من الفروسية بمكان أن ننتقص الآخر بأقوال لا تليق به، ولا بالأسماع. (وقولوا للناس حسنا).


الأربعاء، 17 يونيو 2020

كتاب مستعمل


يا للحزن يا صديقتي.. الحزن الذي التصق بي منذ التكوين، ورافقني منذ النشأة الأولى.. الحزن الذي يعودني حتى في لحظات الفرح.. يقترب مني، ثم يهمس في أُذني: إنني بالجوار يا صديقي!
يا للحزن الذي كلما نزعته من قلبي؛ احتفظت بنصلِهِ في فازة الذكريات، وكأنني أرد له الدَّين: إنك بالقرب!
أرجوكِ قولي أي شيء.. كل شيء.. إلا جملة: يا لحزن النبلاء!
التوقيع: يوسف..
ليس من عادة بثينة أن تزور هذه الأماكن المتهالكة، إلا أنها لم تجد مبتغاها في مظانّهِ الفاخرة، وكأنه قُدِّر لها المجيء من أجل أن تقع عينها على قصاصة الحزن النبيل لتقرر حينها أن تبحر في شخصية يوسفي الحرف. فالشجن رحِمٌ بين أهله!
خرجَت من المحل ذاوية على النقيض من دخولها.. هي هكذا بالمناسبة، كلما قرأت ما يشبهها، وكلما كتبت نفسها، أو كتبت أشباهها.
ألغت زيارتها لصديقتها عباسية.. توسدت ذراعها، واحتضنت روحها.. ثمة هدهدة تتغشاها.. ابتسمت وخلدت للنوم.
لم يدر في خلد يوسف أن أحدًا سيعير اهتمامًا لفحوى خطه السيء الذي وصم جبين ورقة ينفّس من خلالها عن خيالات تزوره بين الفينة، والأخرى، ويقضي بها على الوقت الطويل الذي يمر بلا زبون. قلة هم أولئك الذين يزورون أماكن بيع الكتب المستعملة!
تفيق بثينة ولم تحرك ساكنًا، فليلة باردة كهذه؛ كفيلة بأن تضع يدها على طقوسها التي اتخذت ركنًا قصيًا من مسرح الانفعالات، لتكمل رحلة التسامي، والبحث عن مزيد من المغارس العلوية حيث القرب من شلال السماء، حيث الصفاء، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والغوص في العمق الذي وجدت من أجله، هكذا رؤيتها لمدن المجردات السامية منذ أن كانت تبصم على أغلفة مقرراتها الدراسية بقولها:
مدينة الحب أصلها ثابت، وورودها دانية!
تواصل السكون.. تعصر ذاكرتها.. تحاول ترتيب خاطرة الحزن النبيل في ذهنها فلا تقطر إلاّ عتبًا:
لماذا لم ألتقط صورة لها؟
ما ذا لو عدت هل سيمنحني يوسف فرصة لقراءتها؟
هل سيذهب للمحل المقابل ليبحث عن فكّة كالمرة السابقة؟
هل، وماذا إن، وماذا لو.. مشكلة بحث حقيقية!
يتسلل صوت ماجدة الرومي من الغرفة المجاورة: "كن صديقي" تبتسم، وتغمض عينيها، وتدخل في عالم من الخيال..
تبدد عباسية رحلة الخيال باتصالها الثالث..
-        آه من عباسية، واثنينية عباسية، وآه من كتبك يا عباسية..
فلا تملك إلا أن ترد عليها هذه المرة، ولكن بصوت جاد: مرحبًا عباسية!
تدخل عباسية في الموضوع مباشرة: سيدور حوارنا مساء الاثنين المقبل حول كتاب: عالم الطيران، وستدير دفة الحوار الكابتن سناء، وسنحلق معها في فضاء الـ ... إلخ! ابتسمت بثينة للجملة التي لاحت أمام ناظريها، فعقدت نية عدم الحضور، ثم أنهت المكالمة، وهي ترددها: الألفة ترفع الكلفة.. الألفة ترفع الكلفة!
 يتسلل صوت ماجدة مرة أخرى:
يبني لي قصرًا من وهم                         لا أسكن فيه سوى لحظات
وأعود..  أعود لطاولتي                         لا شـيء معـي إلا الكلمات!
تسير بها الصدف، وكأنها إشارات لما سيعترضها.. شفافة هي وصادقة بالمناسبة، وكلما استوقفها أمر؛ حدثت نفسها: عشت هذا الموقف من قبل، أو أنها قالت: كنت أقول قبل قليل: سيقع أمر شبيه! وما ذاك إلا مطر السماء الذي يحمل في قطراته إلهام الصادقين!
يقترب موعد مجلسهم، فتتذكر بثينة العنوان المزمع مناقشته، وتحدث نفسها: أين هم مني، وأيني منهم! ترسل اعتذارًا لعباسية، وتغلق هاتفها خشية أن تضعف أمام سيل الاتصالات الذي سيكون ردة فعل لرسالتها!
دلفت بثينة مكتبتها الصغيرة التي جمعت محتوياتها من رفوف الأدب العالمي، وأخذت تقلب كتبها لعلها تظفر بما يشبع نهمها القرائي، فما زالت الصدف تحرك مياه فكرها، وما زالت الغرابة من كل ما يمر بها قائمة، وكأن هناك خارطة طريق تأخذها إلى كل صدفة!
تفتح أكثر من كتاب فلا ترى في الصفحات سوى خاطرة الحزن النبيل..
تحزم أمرها، وتدير محرك سيارتها التي لم تسلك ذلك الطريق إلا مرة واحدة.. فما كان أطوله من طريق، وما كان أكثرها من أفكار!
ما إن ترجلت من سيارتها التي أوقفتها في الجهة المقابلة حتى قرأَت بخط عريض: المحل للتقبيل.. تسارعت نبضات قلبها.. عبرت الطريق المزدحم بالسيارات لتفك ازدحام أفكارها المتشابكة، وما إن وصلت مبتغاها؛ إلا ووجدت المحل خاليًا إلا من قُصاصة لم يعرها أحدٌ اهتمامه!