يتساءل البعض منا لماذا نحِنُّ
إلى الماضي بالرغم من الصعاب التي عايشناها فيه؟
الحقيقة أنه ليس في الأمر
جديد، أو اكتشاف مهم، حين نقول إن الحنين؛ يكون للحظات السعيدة التي عايشناها فيه،
وليس للمواقف السيئة التي تكفل خط الزمن بعلاجها. فالإنسان كلما تقدم به العمر؛ قل
تذكره للمواقف السلبية، وقل تأثيرها عليه، وبات يستحضر المواقف التي أدخلت السعادة
إلى قلبه والتي بدورها تجمل ما مضى من حياته، فأصبح يسقط الجمال على ماضيه كافة.
فالحنين حينها يكون
انتقائيًا، وليس شاملاً للماضي برمته. فلا يكون الاشتياق إلا لحين مسرّة بالطبع، فلا
تستدعى الذكريات من خزانتها إلا لأمر محبب، فالنفس تتوق لتلك الذكريات الجميلة التي
لا تستطيع معايشتها مرة أخرى، حتى ولو كُررت فلن تكون كتلك المعايشة البكر، لا
سيما أن هناك شعور ينتاب البعض؛ أن الأيام تسير نحو الأسوأ!
إن شعور الفرد الآني
مسوغ كبير لاستدعاء الأحداث السعيدة من الذاكرة، والحنين إليها، فحينما يكون الفرد
منا في ضائقة ما؛ فإنه يفتح خزائن ذكرياته ليستخرج منها ما ينسيه الشعور اللحظي
بالألم، فحاضرنا بين ذكريات قد مضت، وخيال قد لا يكون.
كما أن هناك مسوغ لا
يمكن إغفاله أبدًا وهو مقاومة التغيير حتى لو كان هذا التغيير يسير بالفرد نحو الأفضل،
فالترقية التي حتمت على صاحبها ترك مدينته إلى مدينة أخرى لا شك أنها تغير كبير؛
عندئذ يكون الحنين فترة من الزمن لمنزله الذي عاش فيه أسعد اللحظات، ولبيئة العمل...
إلخ، ولكن عندما يحصل التوافق النفسي الاجتماعي؛ فإن الفرد يسخر من مشاعره
السابقة، ويقلل منها، ويقول لا أدري كيف كنت أفكر بالعدول عن الترقية التي لطالما
انتظرتها! فعلاقتي بزملاء العمل السابقين لا تزال قائمة وعلى أفضل حال، وها أنا في
طور تكوين علاقات اجتماعية جديدة.
وذلك لأن الإنسان جُبل على إيجاد مكانة اجتماعية
له، فيأتي في ذهنه أنه خسر سعيه السابق، وأنه سيعمل جاهدًا على خلق مكانة اجتماعية
أخرى، وسيكلفه ذلك المزيد من الجهد، والوقت.
وما لا يغفل أيضًا أن
تركيبة الإنسان جبلت على التملك، فالماضي مفقود فلا يصل إليه، والمستقبل لا يزال يُبنى
على أعمدة الأحلام التي يتكئ عليها كل حالم، ويخشى في نفس الوقت أن تكون أيامه
المقبلة حبلى بالمفاجآت غير المرحب بها.
