يا
للحزن يا صديقتي.. الحزن
الذي التصق بي منذ التكوين، ورافقني منذ النشأة الأولى.. الحزن الذي يعودني حتى في
لحظات الفرح.. يقترب مني، ثم يهمس في أُذني: إنني بالجوار يا صديقي!
يا
للحزن الذي كلما نزعته من قلبي؛ احتفظت بنصلِهِ في فازة الذكريات، وكأنني أرد له
الدَّين: إنك بالقرب!
أرجوكِ
قولي أي شيء.. كل شيء.. إلا جملة: يا لحزن النبلاء!
التوقيع:
يوسف..
ليس من
عادة بثينة أن تزور هذه الأماكن المتهالكة، إلا أنها لم تجد مبتغاها في مظانّهِ
الفاخرة، وكأنه قُدِّر لها المجيء من أجل أن تقع عينها على قصاصة الحزن النبيل لتقرر
حينها أن تبحر في شخصية يوسفي الحرف. فالشجن رحِمٌ بين أهله!
خرجَت
من المحل ذاوية على النقيض من دخولها.. هي هكذا بالمناسبة، كلما قرأت ما يشبهها،
وكلما كتبت نفسها، أو كتبت أشباهها.
ألغت
زيارتها لصديقتها عباسية.. توسدت ذراعها، واحتضنت روحها.. ثمة هدهدة تتغشاها..
ابتسمت وخلدت للنوم.
لم يدر
في خلد يوسف أن أحدًا سيعير اهتمامًا لفحوى خطه السيء الذي وصم جبين ورقة ينفّس من
خلالها عن خيالات تزوره بين الفينة، والأخرى، ويقضي بها على الوقت الطويل الذي يمر
بلا زبون. قلة هم أولئك الذين يزورون أماكن بيع الكتب المستعملة!
تفيق
بثينة ولم تحرك ساكنًا، فليلة باردة كهذه؛ كفيلة بأن تضع يدها على طقوسها التي
اتخذت ركنًا قصيًا من مسرح الانفعالات، لتكمل رحلة التسامي، والبحث عن مزيد من
المغارس العلوية حيث القرب من شلال السماء، حيث الصفاء، وتسمية الأشياء بمسمياتها،
والغوص في العمق الذي وجدت من أجله، هكذا رؤيتها لمدن المجردات السامية منذ أن
كانت تبصم على أغلفة مقرراتها الدراسية بقولها:
مدينة
الحب أصلها ثابت، وورودها دانية!
تواصل
السكون.. تعصر ذاكرتها.. تحاول ترتيب خاطرة الحزن النبيل في ذهنها فلا تقطر إلاّ
عتبًا:
لماذا
لم ألتقط صورة لها؟
ما ذا
لو عدت هل سيمنحني يوسف فرصة لقراءتها؟
هل
سيذهب للمحل المقابل ليبحث عن فكّة كالمرة السابقة؟
هل،
وماذا إن، وماذا لو.. مشكلة بحث حقيقية!
يتسلل
صوت ماجدة الرومي من الغرفة المجاورة: "كن صديقي" تبتسم، وتغمض عينيها،
وتدخل في عالم من الخيال..
تبدد
عباسية رحلة الخيال باتصالها الثالث..
-
آه من عباسية، واثنينية عباسية،
وآه من كتبك يا عباسية..
فلا تملك إلا أن ترد عليها هذه
المرة، ولكن بصوت جاد: مرحبًا عباسية!
تدخل
عباسية في الموضوع مباشرة: سيدور حوارنا مساء الاثنين المقبل حول كتاب: عالم
الطيران، وستدير دفة الحوار الكابتن سناء، وسنحلق معها في فضاء الـ ... إلخ! ابتسمت
بثينة للجملة التي لاحت أمام ناظريها، فعقدت نية عدم الحضور، ثم أنهت المكالمة،
وهي ترددها: الألفة ترفع الكلفة.. الألفة ترفع الكلفة!
يتسلل صوت ماجدة مرة أخرى:
يبني
لي قصرًا من وهم لا
أسكن فيه سوى لحظات
وأعود.. أعود لطاولتي لا
شـيء معـي إلا الكلمات!
تسير
بها الصدف، وكأنها إشارات لما سيعترضها.. شفافة هي وصادقة بالمناسبة، وكلما
استوقفها أمر؛ حدثت نفسها: عشت هذا الموقف من قبل، أو أنها قالت: كنت أقول قبل
قليل: سيقع أمر شبيه! وما ذاك إلا مطر السماء الذي يحمل في قطراته إلهام الصادقين!
يقترب
موعد مجلسهم، فتتذكر بثينة العنوان المزمع مناقشته، وتحدث نفسها: أين هم مني، وأيني
منهم! ترسل اعتذارًا لعباسية، وتغلق هاتفها خشية أن تضعف أمام سيل الاتصالات الذي
سيكون ردة فعل لرسالتها!
دلفت
بثينة مكتبتها الصغيرة التي جمعت محتوياتها من رفوف الأدب العالمي، وأخذت تقلب
كتبها لعلها تظفر بما يشبع نهمها القرائي، فما زالت الصدف تحرك مياه فكرها، وما
زالت الغرابة من كل ما يمر بها قائمة، وكأن هناك خارطة طريق تأخذها إلى كل صدفة!
تفتح
أكثر من كتاب فلا ترى في الصفحات سوى خاطرة الحزن النبيل..
تحزم
أمرها، وتدير محرك سيارتها التي لم تسلك ذلك الطريق إلا مرة واحدة.. فما كان أطوله
من طريق، وما كان أكثرها من أفكار!
ما إن
ترجلت من سيارتها التي أوقفتها في الجهة المقابلة حتى قرأَت بخط عريض: المحل
للتقبيل.. تسارعت نبضات قلبها.. عبرت الطريق المزدحم بالسيارات لتفك ازدحام
أفكارها المتشابكة، وما إن وصلت مبتغاها؛ إلا ووجدت المحل خاليًا إلا من قُصاصة لم
يعرها أحدٌ اهتمامه!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق