الجمعة، 2 أغسطس 2019

أشباهنا

لا ينحصر مفهوم المختلف في كونه ذلك الفرد الذي يسلك طريقًا مغايرًا في المسائل الكبرى فحسب؛ بل إن الأمر يتعدى إلى من يشاركك.. نعم يشاركك مبادئك، وقيمك، ومعتقداتك! فالكل شبيه لك في أصل خلقتك، وبشريتك، ومختلف عنك بكينونته، وفردانيته حتى وإن قال لك: إني وجدت بيني وبينك الكثير من نقاط الاتفاق!
إن علينا تقبل الآخر كما هو، وأن نحرص على أشباهنا في منحهم حريتهم كاملةً دون اجتزاء، فكوننا نشترك في قضايانا الكبرى، أو ما دونها؛ فهذا لا يعني غياب حالات الاختلاف! بلى نحن مختلفون، ولكل منا شخصيته، وتكوينه الخاص في تناوله لأي أمر كان، فلا نُثرّب على من سلك طريقًا يلتمس به ذاته، فعلينا منحه حقه في الاختلاف، ففي صيانة الحقوق؛ حفظٌ لكرامة الآخر، وضمان لتكامل مشاريعنا الإنسانية.
إنني من خلال هذا المقال؛ أتحدث عن الفروق الفردية بين الناس، وعما يعتقده البعض في أن وجود عناصر التشابه؛ تعني التطابق التام. صحيح أن هنالك مشتركات إنسانية تجمعنا، ولكننا نختلف حتى في تحديدها، أو وضعها في عناصر مستقلة، فلا تظن أن الآخر مطابق لك في قناعاتك، وأفكارك. حتى وإن قال إزاء رأي ما: "أتفق". فإنّ اتفاقه هذا قد جاء نتيجة مورد مختلف قد نهل منه، حيث المصادر، والخبرات المختلفة. وهنا تبرز أهمية الجانب البيئي في صناعة الاختلاف، وتطوره، فضلاً عن وجود الاستعداد الذي يميز كل فرد عن الآخر.
ومن عَلِم أن موقف الفرد نفسه قد يتناقض إزاء فكرة ما، بعد مرور الزمن، وتغير الاهتمامات، أو بسبب المواقف التربوية المباشرة، أو نظيرتها غير المباشرة؛ فحتمًا سيحفظ للآخر حق تفرده.
إن الإيمان بالاختلاف؛ يقودنا إلى الرضا الداخلي، وإلى التعامل الحسن مع الآخر حيث البعد عن مسار الكراهية التي تحد من جودة الحياة، وتجعلنا نتردى في بئر أمراض القلوب، فقد نجد أحدهم يحمل مشاعر الكُره لمن شاركه مجال ما، فإما أن تسير على نهجي، أو لا أقبل تميزك! وربما أعمد إلى إقصائك، أو أن أشي بك! ويعود هذا الأمر إلى عدم تقبل الذات، فكلما ازداد الفرد تقبلاً لذاته؛ زاد تقبله للآخرين.
إنه ليس لك الحق في إقصاء الآخر بسبب تميزه، وتفوقه، من أجل الانفراد بعرض من أعراض الدنيا، بل الحق لك في محاكاته محاكاة مدروسة. حيث يستفيد من خلالها اللاحق من السابق، شريطة عدم الذوبان في الشخصية المُحاكاة، وإلا لافتقد الفرد منا ما يميزه، ولظل نسخة مكرورة.
كما إن من أسس بناء النجاحات؛ تقبل الذات بكل ما تحتويه من تفرد، واختلافات، ومحاسن، وعيوب، وأن الكمال لله وحده، وإدراك أن الذات نسيج متفرد. فلنقبل ذواتنا كما هي، وعلينا أن نتقبل الآخر باختلافه، وتفرده، ولنشق لأنفسنا طريقًا نصل من خلاله إلى أهدافنا، ولنتخذه مسلكًا يأخذ بنا إلى البيئة الصحية التي تعزز تقبل الذات، وتقبل الآخرين.

الثلاثاء، 4 يونيو 2019

يا صاحِبَي الشجن!


أتدرون ماذا قال لي الشجن قُبيل العيد؟
هل أسر لي بشيء عن الرحيل؟
أم أنه حدثني عن بهجة العيد المقبلة؟
يا لحزن الشعراء الذي يطبق عليهم عند الوداع، ويكتنفهم حتى عند الفرح!
يا لحزنهم اللذيذ وهم يستقبلون رمضان متذكرين غائبهم، حريصين على الاجتماع بحاضرهم... يا لتلك المشاعر وهي تتوزع بين هذا، وذاك، ويا لحزنهم وشهر الخير يودعهم، وقد أشجى المشاعر على فراقه، وكأنني بأولئك القوم الذين يبكون بعد صلاة التراويح في المسجد الأموي ـ آنذاك ـ منشدين بنغمة يملؤها الشجن: "يا شهرنا ودعتنا عليك السلام! يا شهرنا هذا عليك السلام"
 كيف لا يشجينا وهو يلوح إلينا مودعًا، ولسان حاله يقول:
إن وجدتم ارتقاءً في الجانب الأخلاقي؛ فهي فرصتكم الكبيرة للفكاك من الخلق المتكلف في بقية أيامكم.. إن كل ما عليكم هو أن تتذكروا ذلك جيدًا في غرة شوال، ومعاهدة في أوسطه، لعلكم تنالون العتق في تدريبكم الأخير.
نعم تتغير النفوس في رمضان فتتصافى، وتتسامح تقربًا إلى الله، فكل ما يحيط بالمؤمن في هذا الشهر؛ يساعد على المضي قدمًا لأن تتسامى روحه في ملكوت الله عز وجل، فتكتظ المساجد بالمصلين، وتكثر الصدقات، وتحضر الأذهان فتمتنع عما يجرح الصيام، فلا يُقال إلا الحسن من القول، وإن وقعت مسبة، أو شتيمة فتحضر على لسان من وقعت عليه؛ عبارة: إني صائم.
هكذا هو شهر الخير في مجيئه، وهكذا هو في مغادرته، فلا يغادرنا إلا وهو موصٍ إيانا بزكاة تطيب بها نفوس، وتعف بها عن السؤال نفوس، فيا للمغادر الذي نمني أنفسنا أن يعود مرارًا ليمنحنا العيد عند كل وداع!
 وأخيرًا: أتدرون ماذا قال لي الشجن قبيل العيد عن رمضان؟!
قال: إنه ذلك الزائر الذي يكرم مستقبليه، وعند رحيله؛ يمنحهم العيد مغلفًا بالبهجة والفرح! فلوحوا له بقلوبكم.. لهذا الذي أطل علينا الآن من نافذة السماء!
كل عيد، وأنتم الخير...

الأحد، 19 مايو 2019

سقف ماسلو


(1)
أنا من يحدد ما بداخلي، أنا أقدر ذاتي، وأنا أقدمها كما أراها في بعض المواقف، وفي بعضٍ لا أقدمها مطلقًا!
إنني تجاوزت ذاتي عندما كنتَ تحاول تحقيق ذاتك، وهذا لايعني أنك لست رائعًا؛ بلى أنت رائع!
(2)
إن تحليلك للمواقف التي أمر بها، ثم توغل في الرمزية ساردًا؛ لايعني لي شيئًا، ربما مرر الحزن إلى قلبي بسبب جهلٍ تغلغل في أعماقك.. تصدح بأني متقهقر، وأنت لاتعرف معنى ترتيب الأولويات!
أتأخر في بعضٍ، وأقمع رغباتٍ في المتناول الصحي من أجل رغبة تحتاج إلى المزيد من البذل؛ لأتقدم.. لأعود للمؤجل.. ليأتيني الله بها جميعًا.
 قد تقول لي:
"وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر"
أقول لك حينها:
أن المخلوق الذي عنده علم من الكتاب جاء بعرش بلقيس في لمح البصر، وأن الخالق عز وجل خلق السموات والأرض في ستة أيام.
هنا، لك أن تدرك الفارق أولًا، ثم لك القياس أنى شئت.
(3)
أنا وأنت لم نؤت من العلم إلا قليلًا، فكيف لو رُفعت عنا الحجب، ماذا لو مددت يدي باتجاه بيت المقدس وقلت لك انظر لذلك اليهودي وما يتأبط في باحته؟!
ماذا ستقول؛ إننا أوتينا؟!
(4)
إنني لازلت أغض الطرف عن المواقف البائسة للآخرين، نعم أتعظ بغيري، ولكنني أربأ بعيني أن تقع على من ابتلي فإن كان ولابد؛ فلا أخبرهم بأنني سعيد وعظ بهم!
إنني أترك الفكرة معتقلة حتى أنسى صاحبها، فإن نسيته؛ أحضرت الدواة، والقلم.. القلم الذي ارتوى من قطرة مالحة سقطت في عين المحبرة؛ فكتب بمداد ماء العين ما يعين القارئ على النأي بنفسه عما لا يليق، وكيف يصبر على الخطوب، والنوازل.
(5)
ألم أقل لك ذات لقاء إنني لست مقتنعًا بسقف هرم ماسلو!








السبت، 20 أبريل 2019

المنافسة



محاولاتك في مشاركة الآخرين في السير على طريق التقدم؛ أمر رائع، وحق مشروع، ولكن عليك أن تدرك أن المضي قدمًا لا يبنى على منافسة الآخر منافسة مرَضية إقصائية.
عندما تكون غايتك التقدم؛ قد لا تهمك الوسيلة نحو تحقيق طموحاتك، وسينصب تفكيرك على تحقيق الطموح متناسيًا الطرق المشروعة لتحقيقها. فإن بنيت صرح تقدمك حينها؛ كان بنيانك على شفا جرف هار.. على أرض ليست صالحة للبناء. فهل أحدثك عن الهلع حينها؟!
إن حياتك قصيرة..
قصيرة للدرجة التي لا تسمح لك بالتفاتة تضييق على أحدهم، فالحياة تشاركية تعاونية، فعليك أن تكون عضوًا فاعلاً في فريق سباق التتابع حتى تبلغ النهاية وتتوج بالذهب، فتحفك وأصدقاء النجاح أجنحة الاحتواء التي ترسم لكم طريقَ نجاح آخر، وستعرف حينها أن الإنجاز يأتي بنظيره، وأن القمة كبيرة تسعك وتسع أمثالك، ومن هم دونك ومن فاقوك موهبة. أما تقدم الآخرين، وتحقيقهم لإنجازات كبيرة لا يقلل منك أبدًا، وإن كنت سائرًا في طريق الإنجاز؛ فلا يكن همك منافسة الآخر، أو تحطيم رقمه القياسي، ارفع سقف طموحاتك، واعمل على تحقيقها، ثم كل الأشياء تأتي تباعًا.
يقول غازي القصيبي:
لم أشعر أبدًا منذ صغري بغيرة من المنافسين، أو اهتمام بمن يحرز الأول في الصف، ففي المكان متسع لجميع الناجحين"

الخميس، 21 مارس 2019

جسر الأربعين


تتعرج مشاعرك، وأفكارك أيها الإنسان بتعرجات خطك الزمني، فيوم سعيد كلحظة، ويوم بائس كسنة. ستتغير قناعاتك نحو ما كنت تعتقده أنه من الثوابت، وستثبت ثباتًا نسبيًا تلك التي كنت تظنها لا تقبل الثبات أبدًا! ستسير بك الحياة من ألف بائها إلى أن تبلغ أشدك، ستعيش الفرح فرحًا، وستعيش الحزن ألمًا وقلقًا وخوفًا، ستعيش لحظات لقاء سعيد، وآخر كئيب، ستلاقي، وتفارق، وستهبك الحياة، وسيتخطف الموت أحبابك، وتعيش التجارب تجربة تلو أخرى، ستنظر لما كان يهمك سابقًا بشيء من السخرية، وستلوم نفسك بأنك لم تُلق بالاً لأشياء لم تأبه بها سابقًا، ستقولبك الأربعون، ستعيد ترتيبك من جديد. ليس لأنك صفحة بيضاء فتشكلك كيف تشاء، لا. وإنما تجعلك تتصفح ما كتبه الزمن في مُهرَق ما قبل الأربعين بصحبة ابتسامة ساخرة، وتجعلك تكتب في صفحاتك الجديدة مواقفك بشيء من التروي.
ها أنا أعبرك يا جسر الأربعين بلا حول، ولا قوة مني، ولو كان الأمر بيدي لأوقفت التأريخ وظللت أراوح في سلم الثلاثين من العمر!  وأنا الذي لا يملك لنفسه نفعًا، ولاضرًا..
يا أيها الجسر وإن عاتبتك على مجيئك المبكر، فقد سمعت ممن عبروك أنك أجمل الجسور، وأتمها. أذكر أنني حدثت أحدهم وذكرتك عنده بشيء من الدهشة من سرعة مجيئك! فقال لي ما أورده الطنطاوي في جسر بغداد:
"وقد قال أبو الوليد: قال لي شعبة: أرأيت جسر بغداد؟
 قلت: لا.
قال: فكأنك لم ترَ الدنيا!"
وكأن صديقي يهون عليّ، ويلمح لي أن من لم يعبر جسر الأربعين لم يرَ الدنيا كما ينبغي، ولم يرها من منظار التجارب التي تجعل من الشخص شخصًا آخرًا متميزًا عن الآخرين.
وقبل الختام علينا أن نعلم أننا قد نصل لكل ذلك الجمال قبل عبورنا هذا الجسر، فهناك جسور فرعية نتعلم من خلالها كيف يكون الجمال، وكيف يكون الكمال الإنساني الذي يعتريه النقص.
إنها سلسلة من جسور التجارب المباشرة، وسلسلة أعظم من التجارب غير المباشرة إن أحسنّا التقاطها، والاستفادة منها، فتجوب بنا تفرعات الجسور إلى منتهى الحكمة، ثم تعيدنا إلى ساقية خطنا الزمني وكأنها تراكم المعرفة إلى النضج العميق، وقبل ألفاظ العقود من العمر.

السبت، 26 يناير 2019

فردوس العُلى


قد تزج بك المعرفة إلى درْك الوحدة اللعينة، وتجعلك تقع في براثن غربة من نوع آخر، فتكون حاضرًا جسدًا.. غائبًا فكرًا وروحًا. وتجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تُبدي قولاً ما، قد عرضته على معايير الحكم لديك، فرأيته يمثلك حيث الصحة، مُظهرًا خطأ الأكثرية.
عندها يكون الفرد بين مطرقة سطوة الجماعة، وسندان شخصيته الواعية، فيظهر تردده في البوح به، والاحتفاظ به لنفسه في موقف يحتم عليه قول الصحيح ورد الخطأ. ولا أقصد هنا أولئك الذين تتضاءل لديهم نسبة تخطئة رأي الجماعة بسبب التنشئة المجتمعية التي عاشوها، وما غرسته في أذهانهم؛ بل أولئك الذين يرون صحة آرائهم في مقابل رأي الجماعة، إلا إنهم لا يفضلون قولها والأخذ بها خوفًا من العزلة، والإقصاء الذي سيفرض عليهم من قبل الجماعة، فالكثير من الأفراد يخافون الانفصال الاجتماعي، ويرددون ذلك المثل الشهير: "الموت مع الجماعة رحمة!"
إن الهجرة ليست محصورة في الانتقال الجسدي عبر الحدود، أو تلك التي تكون من الريف إلى المدينة؛ بل إن هناك هجرة للعقول ونزيف لها يكمن في العيش الذهني بمنأى عن بيئة المفكر التي تحيط به، فلا يستثمر طاقاته، ولا ينميها بسبب ما يعانيه من إحباط لاختلافه عن البيئة المحيطة، ولربما سلك كما يسلكون.
فالتقليد مريح جدًا وطريقه سهل حيث لا وحشة ولا خوف، ولا تعب، بل إن كل الطرق سالكة قد اكتشفها الأولون ومهدوها لمن فضل التقليد وترك إعمال العقل (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)
إن من يُعمل عقله في مجتمعات آمنت بأن من يغرد خارج السرب إنما هو بعيد عن جادة الصواب بحسب زعمهم، وإنه متأثر بفكر دخيل يناهض الفكر الذي آمنوا به واعتنقوه، أو ألْفوا عليه من سبقهم ممن وثقوا أن كل ما ورثوه صحيح غير قابل حتى لطرحه على طاولة النقاش. (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون).
بينما في الحقيقة أنه ناجٍ من ثقافة العقل الجمعي متطلع للتغير والتغيير فكن ذا حصانة نفسية عميقة، واصنع من قوة المعرفة دروعًا تتكسر عليها سهام ثقافة العقل الجمعي، لتصنع منها سلمًا يأخذ بك من درْك الوحدة إلى فردوس العُلى.