الجمعة، 3 أبريل 2020

صغير لا يرى!

هذه الجملة التي اخترتها عنوانًا لهذا المقال؛ قرأتها منذ بداية انتشار فايروس كورونا مرات عديدة منها ما جاء واصفًا، ومنها ما جاء محذرًا، وهذا أمر طبيعي إذ أننا لم نزل في محاولات جادة لصده، ولكن الغريب في الأمر أن تأتي الجملة السابقة في سياق آخر لا يمكن أن نطلق عليه سياقًا علميًا سواءً في المجال الطبي الوقائي، أو العلاجي، أو المجال التربوي؛ إنما تأتي في سياق التهكم بالعلم، والتقليل من شأنه، ونسف المنجزات العلمية التي حققها الإنسان! وأنه مهما بلغ من علم إلا أنه يظل في دائرة الجهل. وكونه يقبع في هذه الدائرة؛ فهذا الأمر من المسلمات ولا شك، إلا أن طريقة عرضها توحي بالخنوع، وعدم الأخذ بالأسباب.

إنه لولا معرفة الإنسان بحاجاته لما سعى لإشباعها، ولولا معرفته بمشكلاته لما عكف على وضع الفرضيات واختبارها بغية الوصول إلى حل ينهي، أو يحد من تلك المشكلات على الأقل، ولولا معرفته بجهله لما سعى لمحو هذا الجهل عبر كل موقف تربوي يمر به سواءً كان مقصودًا، أو غير مقصود، ولما استمرت المعامل في إجراء أبحاثها، وتجاربها، فالحقائق وأبعادها لا تتأتى له بشكل كامل؛ إنما تُبنى على تراكمية المعرفة على مر الأزمنة، وكل اكتشاف إنما هو ممهد للذي يليه، وكلما اتسعت أفق المعرفة لدية؛ حصر نفسه في دوائر ضيقة محاولاً التعمق في جزء يسير منها، وفي هذا تتجلى محدودية قدرته: 
﴿....وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء 28
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ المائدة 31
﴿... وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء 85
إن هذا الفكر الذي يقلل من جهود الإنسان؛ إنما هو فكر سقيم، لن يصح ما لم يهدم البناء الفكري الخاطئ الذي قام على مساحات العقل! فهدْم الماديات أمر يسير، كهدم بناء من عدة طوابق استغرق بناؤه عدة سنوات، أما المجردات كالقيَم، والأفكار الخاطئة، فتقويضها ليس بالشيء الهيّن، ففي الأمر إلغاء، وإحلال، ومن يستصعب التصحيح؛ سيظل في ضلاله، وعينه على اكتشافات أهل الاختصاص لعله يتفيأ ظِلال العلم عن هجير الجهل.
﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ طه 114
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النمل 15
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ...﴾ النمل 40
 ليت هذه العقول المنهزمة تمهلت قبل أن تستميت في إيصال أفكارها، وبحثت في أوراقها القديمة التي تحتفظ بها خزاناتهم لعلها تغير شيئًا من أفكارها إذا ما وجدت "دفتر التطعيمات" الذي مضى عليه عمر طويل وهو يشهد بأن التحصينات التي أُعطيت؛ كانت عنصرًا وقائيًا من أجل أن تستمر مسيرة التنمية، لا من أجل التقليل من شأن الجهود.
ولو تتبع هذا العقل المنهزم الإضافات التي طرأت على بطاقة التطعيمات؛ وقارن بين تلك التي كانت في زمانه، وهذه التي مُنحت لطفله؛ لعرف أن لكل وقت أسبابه، وتحصيناته، وما شلل الأطفال، وفايروس الروتا عنا ببعيد.


﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ الإنسان 30




هناك 4 تعليقات:

  1. بوركت أستاذنا لا عدمنا قلمك الرائع
    حفظنا الله وإياكم وأذهب عنا هذا الوباء
    وحفظ البلاد والمسلمين من كل سوء

    ردحذف
    الردود
    1. أحاطك الله بحفظه، شكرًا جزيلًا لك أخي.

      حذف
  2. مقال جميل، يعكس جمال كاتبه

    ردحذف
  3. حفظك الله يا دكتور بندر، شكرًا جزيلًا لك يا صديقي.

    ردحذف